حسن الأمين
281
مستدركات أعيان الشيعة
ونقل الحطب من الأحراش يكون على رؤوس صبايا القرية ، حيث ينطلقن في مطالع الصيف سربا وراء سرب إلى الوادي الجميل حيث يفترض فيهن أن يجمعن ما يبس وتساقط أو كاد من الأغصان . ومع أن هذا محظور عليهن لأنهن من قرية غير قرية الحرش فقد يتساهل به نواطير الأحراش . ولكنهن لا يتقيدن بذلك إذ كثيرا ما امتدت أيديهن إلى الأغصان الغضة اليانعة فيأخذن يقطعنها ، مغتنمات غياب الناطور أو ابتعاده . وكم من مشاكل تقع بينهن وبين النواطير وكم من متاعب جرها التحطيب من ( الوعر ) . ( والوعر ) هو الاسم الذي يطلق في القرى على الحرش ، فإذا قيل ذهبنا إلى ( الوعر ) فالمقصود هو الحرش . فمن يمر في مطالع النهار في وادي السلوقي سائرا بين تلك القلل الشجيرة والتلال النضيرة . ومن يجتاز في متوع الضحى بهاتيك المرابع ، تملأ مسامعه أغاريد الصبايا وقد عكفن على الحطب جمعا أو قطفا ، حتى إذا اجتمع لكل واحدة ما يقوى رأسها على حمله ، كتلت ما جمعته كتلة أسطوانية الشكل مديدة الحجم ، وربطتها بحبال ( البابير ) ثم تناولتها بكلتا يديها ورفعتها إلى رأسها ومشت تدق الأرض بقدميها في خطوات وئيدة تتمثل فيها أشرف خطوات يخطوها إنسان . وهل أشرف من خطوات هذه الفتيات اللواتي يمشين إلى العمل منذ الصباح برؤس مرفوعة ووجوه متعالية يبسطن الأنامل منقبات عن الأعواد ويطوين السواعد حاملات للأحطاب . يمشين من الوادي وقد أخذ الصمت يرين عليهن بعد الغناء الطويل ، حتى إذا بلغن عقبة ( السكيكة ) وانطلقن فيها مصعدات ، أخذ العرق يتصبب من تلك الوجوه الجميلة بما ناءت به الرؤس من حمل ، وما أعيت به الأقدام من تصعيد . يمشين صامتات قارات ، ولكن في صمتهن أبلغ بيان . . . وفي القرى المحرومة من الأحراش ، أو البعيدة عنها قد يستعاض عن الحطب بالبلان ، ولكن البلان لا يستعمل للاصطلاء لسرعة هبوبه فسرعة هموده ، ولكنه يستعمل لنار المطابخ . وكما أن الصبايا ينقلن الحطب من الوديان ذات الأشجار ، كذلك ينقلن البلان على رؤوسهن من الوديان ذات البلان . والتقى مرة شاعر بفتاة تنقل البلان على رأسها من واد يسمى ( وادي عراجا ) في بلدة الخيام فأنشد : ته دلالا بلان وادي عراجا حيث أصبحت للمليحة تاجا لقد انقضى عهد الداخون فلا تسابق إلى ( القرنة ) ولا تحلق حول النار . وانتهى زمن الحطب فلا هبوط إلى الوادي ولا صعود في العقبة . . . لقد حل ( المازوت ) مشكلة البرد وحلت مدافئه محل ( الدواخين ) . . . دروس النحو كان والدي حريصا على اتقاننا اللغة العربية وقواعدها ، كما كان حريصا على أن نتابع دراسة الفقه مع متابعة الدارسة الابتدائية في الوقت نفسه . فكنت ونحن في دمشق ألتقي في الصباح الباكر قبل ابتداء الدروس في المدرسة العلوية - ألتقي بنفر من التلاميذ الدمشقيين عند والدي حيث نتلقى عليه دروس النحو في الكتب القديمة . فبعد حفظنا للاجرومية ثم دراستنا كتاب ( القطر ) . صرنا ونحن في الصف الابتدائي الأخير نتلقى الدروس في كتاب ( الألفية ) شرح ابن الناظم . فنحفظ النص الشعري ثم ندرس الشرح . وننهي الدرس قبل أن يحين موعد ( دوام ) المدرسة . وكان والدي يحرص أثناء ذلك على تلقيننا بعض القصائد العربية القديمة التي يختارها بنفسه لنستظهرها ثم نتلوها أمامه ليتأكد من أننا استظهرناها . فمما استظهرته في تلك الفترة ( لامية العرب ) وأبيات قتيلة بنت الحارث التي ترثي بها أخاها النضر بن الحارث بن كلدة الذي أسر يوم بدر ثم قتل . وكنا عند انتقالنا في الصيف إلى شقرا ، يظل والدي حريصا على أن نتابع الدروس خلال إقامتنا في شقرا . وفي الانتقال الأخير الذي طال وطال بسبب ظروف الثورة السورية ظللنا ندرس الألفية ونحفظ شعرها . وكنت أشترك في هذه الدروس أنا وأخي جعفر . وكان جعفر متبرما بهذه الدروس ، يقبل عليها لا عن رضا ورغبة ، ويود لو تخلص منها . وكانت لنا في شقرا خلال الربيع أيام نقضيها في التنزه في البرية جماعة يلتقي فيها كل أتراب الأسرة ممن هم في مثل سننا أو أكبر قليلا أو أصغر قليلا . فنقصد مجتمعين أحد الأماكن البعيدة عن القرية حيث نقضي النهار بكامله في تسلية ولعب . وكثيرا ما كنا نتواعد مع رفاق لنا من أبناء قرية ( حولا ) حيث يوافوننا إلى ( دوبيه ) الواقعة بين شقرا وحولا . فنتخذ من القلعة وجوارها متنزها لنا طول النهار ويصنع الغذاء جماعيا في المتنزه وهو على الغالب ( مجدرة ) يتولى طبخها بعض العارفين من الرفقة . وفي يوم التقينا في ( دوبيه ) وأمضينا النهار وتغدينا المجدرة ، وكان يوما أنسنا فيه كل الأنس . ولما عدنا استوحى جعفر من ذلك اليوم قصيدة طريفة لا أزال أذكر منها : يا من يقضي عمره ويضيع منه أكثره بين الدفاتر والمحابر قل أن لا تنظره حب القراءة دأبه أقصى مناه ( الشحبره ) ما ذا يفيد تعلم الغلم عندي مسخرة لا سيما النحو الذي ما فيه إلا النحوره أشجى فؤادي درسه وكداك قلبي مرمره لو جئت إحدى السيدات وقد لزمت القنعره أدمتك من قبقابها وعلتك منها ( الكندره ) ربح الذي دوما غدا في غير أنس لم تره قل للذي لا يرعوي لنصيحتي ما أحمره لو كنت تبصرنا وقد سرنا بقصد ( الكزدره ) نبغي مكانا لائقا بجنابنا كي نعبره كان المقام بقلعة مهجورة ومكركره فيها أقمنا يومنا من أنسه ما أقصره إن كنت تسأل ما الطعام أقول كان ( مجدره ) لكنها ممتازة محمرة ( ومذرذره ) وكثيرة أيضا وقد ملأت فناء الطنجره والكل منا جائع والحال منه مكدره